لوحة ليلة النجوم لفان جوخ — سماء دوامة وهلال وقرية.

ليلة النجوم: هل رسم فان جوخ سماء حقيقية في يوليو 1889، لا في يونيو؟

أشهر لوحة سماء في العالم مؤرخة منذ عقود على يونيو 1889. دراسة فلكية جديدة تقول إن القمر والزهرة والنجوم تطابق فجر 22 يوليو — فهل أخطأ المؤرخون شهراً كاملاً؟ ولماذا ما زال الخبراء غير مقتنعين؟

لوحة «ليلة النجوم» هي أشهر لوحة سماء في العالم، وتاريخها معروف منذ عقود: يونيو 1889. لكن دراسة فلكية جديدة، نُشرت في أكتوبر 2026، تقول إن المؤرخين قد يكونون أخطأوا شهراً كاملاً — لأن القمر المرسوم في اللوحة لا يطابق سماء يونيو أبداً، بل يطابق فجر 22 يوليو 1889. فهل تغيّر شهر واحد قصة أشهر لوحة؟ الجواب القصير: لا، ليس بعد — فالدراسة الجديدة فرضية مثيرة، لا حقيقة محسومة، وهذا المقال يشرح لماذا.

ماذا نرى في اللوحة فعلاً؟

رسم فنسنت فان جوخ اللوحة بالألوان الزيتية على قماش، بمقاس يقارب 73 في 92 سنتيمتراً، عام 1889 في سان ريمي دو بروفانس جنوب فرنسا، حيث كان يقيم في مصحّ سان بول دو موزول. واليوم توجد اللوحة في متحف الفن الحديث في نيويورك.

تسيطر السماء على معظم اللوحة: دوامات زرقاء كبيرة، وهلال رفيع أصفر، ونجوم متوهجة تحيط بها هالات من الضوء. وفي المقدمة ترتفع شجرة سرو داكنة طويلة، وأسفل السماء تستقر قرية صغيرة هادئة، وخلفها تلال. والمهم أن فان جوخ لم يرسم ما رآه حرفياً: فقد رسم في النهار، في جلسات عدة، من رسوم وذكريات، والقرية كما رسمها لم تكن ظاهرة من نافذته بالصورة نفسها. اللوحة مزيج من مشهد حقيقي وخيال فنان.

سماء ليلية مليئة بالنجوم فوق تلة وأشجار
سماء ليلية حقيقية مليئة بالنجوم فوق تلة خضراء — على غرار السماء التي راقبها فان جوخ من نافذته قبل أن يعيد رسمها بأسلوبه. تصوير: Tudor S عبر Pexels

لماذا قال الجميع «يونيو»؟

التأريخ القديم يستند أساساً إلى رسالة كتبها فان جوخ إلى شقيقه ثيو في نحو 18 يونيو 1889، ذكر فيها «دراسة جديدة لسماء مرصعة بالنجوم». وبما أن الرسالة من يونيو، واللوحة تصوّر سماء مرصعة بالنجوم، ربط المؤرخون بينهما وقالوا: اللوحة من يونيو 1889، بعد وقت قصير من دخول فان جوخ المصحّ.

حتى الباحثون الذين حاولوا تحديد الليلة بدقة اختلفوا فيما بينهم: فأحدهم اقترح فجر 19 يونيو وربط النجوم الوسطى بكوكبة الحمل، وآخر اقترح 17 أو 18 يونيو وقال إن السماء «مركّبة» من ليالٍ عدة. لكن الجميع اتفقوا على الشهر: يونيو.

مشكلة القمر

هنا تبدأ المشكلة، وهي بسيطة ويمكن لأي شخص أن يفهمها: انظر إلى القمر في اللوحة. إنه هلال رفيع متناقص، أي قمر في أواخر الشهر القمري، قبل شروق الشمس بقليل.

لكن القمر الحقيقي في منتصف يونيو 1889 لم يكن هلالاً رفيعاً أبداً. ففي 19 يونيو، مثلاً، كان القمر مضاءً بنحو 63%، أي أكثر من نصفه — بعيداً جداً عن الهلال الرفيع المرسوم. وهناك مشكلة ثانية: في صباحات يونيو، كان كوكب الزهرة يظهر فوق التلال قبل دقائق فقط من اختفاء نجوم الحمل الخافتة مع ضوء الصباح، فلا تكاد توجد لحظة يظهر فيها الاثنان معاً كما في اللوحة.

بعبارة أخرى: لوحة يونيو لا تطابق سماء يونيو. وهذا التناقض هو ما جعل بعض الباحثين يقولون إن السماء كلها من الخيال. لكن الفريق الجديد يقول: ربما الخطأ ليس في السماء، بل في الشهر.

هلال رفيع في سماء ليلية سوداء
هلال رفيع في سماء سوداء — هذا هو شكل القمر في اللوحة، وهو ما لا يطابق قمر منتصف يونيو 1889. تصوير: Alexey Chudin عبر Pexels

ما الذي وجدته دراسة يوليو؟

في 22 أكتوبر 2026، نشر فريق كوري جنوبي بقيادة إيليا جيونغ هيون كيم، من جامعة كيونغ هي، دراسة في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» بعنوان «السماء الحقيقية للوحة ليلة النجوم». والفريق لم يكتفِ بالنظر إلى اللوحة، بل ذهب إلى المكان نفسه: زار فرنسا مرتين عام 2019، مرة في يونيو ومرة في نحو 22 يوليو، ووقف حيث وقف فان جوخ.

ثم فعل الفريق ثلاثة أشياء: أولاً، استخدم رسماً سابقاً لفان جوخ للمنظر نفسه لتثبيت زاوية النظر بدقة، بما في ذلك التلال جنوب غرب المصحّ. ثانياً، استخدم برنامجاً فلكياً لإعادة بناء سماء كل صباح من يونيو ويوليو 1889 كما كانت تُرى من سان ريمي. ثالثاً، راجع سجلات الطقس ورسائل فان جوخ، التي تتحدث عن الحرّ وعن حشرات الزيز — وهي تفاصيل تناسب يوليو أكثر من يونيو.

والنتيجة: في فجر 22 يوليو 1889 (والأيام القريبة منه، خاصة 23 يوليو) اجتمعت ثلاثة أشياء في بقعة صغيرة من السماء الشرقية قبل شروق الشمس: هلال متناقص رفيع يشبه هلال اللوحة، وكوكب الزهرة ساطعاً بجانبه، وعنقود نجوم على شكل حرف V هو عنقود القلائص في كوكبة الثور. وخمس نجوم وسط اللوحة تطابق نجوم هذا العنقود بدرجة لافتة. لذلك يقول كيم إنه واثق بأن 22 يوليو هو التاريخ الأفضل — لكنه يضيف أن فان جوخ ربما جمع مشاهد من أيام عدة حول ذلك التاريخ، لا من ليلة واحدة فقط.

طريق تحفه أشجار سرو طويلة في بروفانس
طريق تحفّه أشجار سرو طويلة في بروفانس بفرنسا — المنطقة نفسها التي رسم فيها فان جوخ لوحته. تصوير: Le sixième rêve عبر Pexels

لماذا ما زال الخبراء غير مقتنعين؟

الدراسة الجديدة قوية في الفلك، لكنها لا تحسم النقاش، لثلاثة أسباب.

أولاً، الوثائق: متحف فان جوخ في أمستردام ما زال متمسكاً بيونيو، ويقول إن الأدلة المكتوبة — ومنها رسم أُرسل إلى ثيو في 2 يوليو — تدعم التأريخ القديم. فالرسائل والرسوم وثائق، والنجوم وحدها لا تكفي لتأريخ لوحة.

ثانياً، اللوحة مركّبة: فان جوخ نفسه رسم من ذاكرته ومن رسوم سابقة، في الاستوديو، لا واقفاً أمام السماء ليلة واحدة. وحتى مؤلفو الدراسة يعترفون بأن السماء «مركّبة على الأرجح من ليالٍ عدة». لذلك لا يمكن القول إن اللوحة «اكتملت في 22 يوليو» — فالدراسة تتحدث عن السماء التي ألهمت اللوحة، لا عن يوم انتهائها.

ثالثاً، الحذر العلمي: الفيزيائي خوسيه لويس أراغون، الذي درس اللوحة من قبل ولم يشارك في الدراسة الجديدة، وصف تاريخ يوليو بأنه «فرضية مثيرة أكثر من كونه جواباً محسوماً»، مع أنه وصف الدراسة نفسها بأنها دقيقة ومتعددة التخصصات. وسجلات الطقس من عام 1889 فيها فجوات، ولا يوجد سجل طبي يثبت تاريخ النوبة المرضية التي يستخدمها الفريق في حجته.

الخلاصة العادلة: يوليو يفسّر القمر والزهرة والنجوم أفضل من يونيو، لكن يونيو يملك الوثائق. والنقاش ما زال مفتوحاً.

دليل ثانٍ: الدوامات ليست عشوائية

هناك دليل آخر، من دراسة أقدم (2024) وليست جديدة، يستحق الذكر لأنه يغيّر نظرتنا إلى اللوحة: عندما قاس فيزيائيون في الصين وفرنسا أحجام الدوامات الأربع عشرة الرئيسية في اللوحة والمسافات بينها، وجدوا أنها تتبع الأنماط الرياضية نفسها التي تحكم التدفق المضطرب الحقيقي — مثل دوامات النهر والسحب العاصفة. فالدوامات الكبيرة تتفكك إلى أصغر، بنسب منتظمة، تماماً كما يحدث في الطبيعة.

وفان جوخ بالطبع لم يعرف هذه المعادلات، فهي وُضعت بعد وفاته بعقود. لكنه أمضى وقتاً طويلاً يراقب الحركة في الطبيعة — الماء والسحب والرياح — حتى صارت هذه الأنماط جزءاً من يده وعينه. لذلك تبدو دواماته «حقيقية» حتى لو لم تكن نسخة فوتوغرافية من سماء واحدة.

ضربات فرشاة زيتية سميكة عن قرب
ضربات فرشاة سميكة بالألوان الزيتية عن قرب — هذا النوع من الضربات هو ما قاسه الباحثون حين وجدوا أن دوامات اللوحة تتبع أنماط التدفق المضطرب. تصوير: Marina Leonova عبر Pexels

ماذا كان رأي فان جوخ نفسه في لوحته؟

من المفارقات أن فان جوخ نفسه لم يعتبر «ليلة النجوم» من أفضل أعماله. فقد أرسلها إلى شقيقه ثيو في باريس في 28 سبتمبر 1889 ضمن مجموعة من نحو عشر لوحات، ووصفها ببساطة بأنها «دراسة ليلية». ولم تصبح اللوحة الأشهر في العالم إلا بعد وفاته، حين وصلت إلى متحف الفن الحديث في نيويورك عام 1941، وصارت رمزاً للفن الحديث كله.

الخلاصة: يونيو أم يوليو؟

السؤال «متى رُسمت ليلة النجوم؟» له الآن جوابان: يونيو بحسب الوثائق، ويوليو بحسب السماء. والدراسة الجديدة لا تلغي التأريخ القديم، بل تطرح احتمالاً قوياً بأن المشهد الذي ألهم اللوحة كان مشهد فجر يوليو، وأن فان جوخ واصل العمل على اللوحة أو جمع انطباعاته خلال يوليو.

والرسالة الأهم من كل هذا الجدل أبسط من التاريخ نفسه: فان جوخ لم يخترع سماءه من فراغ. كان يراقب السماء الحقيقية عن قرب — القمر والزهرة والنجوم والدوامات — ثم أعاد رسم ما رآه بأسلوبه الخاص، حتى صارت لوحته أشهر من السماء نفسها. وسواء حُسم الجدل لصالح يونيو أم يوليو، فإن هذه الحقيقة تبقى: وراء الدوامات سماء حقيقية، رآها رجل من نافذة في جنوب فرنسا قبل أكثر من 130 عاماً.

اقرأ أيضاً

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top