واجهة مبنى من الطوب الرمادي الفاتح

إعادة تدوير النفايات في البناء: متحف مكسوّ بقمامة مدينته

متحف التصميم في غنت البلجيكية كسا جناحه الجديد بأكثر من 82 ألف طوبة مصنوعة من نفايات المدينة نفسها. كيف تحوّلت الخرسانة المهدومة والزجاج إلى مبانٍ، وهل تصلح الفكرة لمدننا؟

تخيّل متحفاً مرموقاً يفتتح جناحاً جديداً هذا الشهر، فتكون مفاجأة الزوار ليست في ما بداخله، بل في جدرانه نفسها: أكثر من 82 ألف طوبة صُنعت من قمامة المدينة — خرسانة مهدومة، وزجاج سيارات قديم، وحتى أحواض حمّامات مكسورة. هذا ليس خيالاً، بل ما حدث فعلاً في مدينة غنت البلجيكية.

ما هي «طوبة غنت»؟

أعاد «متحف التصميم» في غنت فتح أبوابه في 3 أكتوبر 2026 بعد أربع سنوات من الترميم والتوسعة، وأبرز ما في المشروع جناح جديد من خمسة طوابق بمساحة 2200 متر مربع صممه مكتب «كارمودي غروارك» البريطاني مع المكتب البلجيكي «أتاما». لكن الحدث الحقيقي كان في الواجهة: طوب جديد كلياً اسمه «طوبة غنت»، طوّرته شركة «بي سي ماتيريالز» مع استوديو «لوكال ووركس».

الوصفة غريبة: 63% من مكوّنات الطوبة نفايات محلية — خرسانة مكسورة من مبانٍ مهدومة، وزجاج بناء، وزجاج أمامي لسيارات قديمة، وبورسلين من أدوات صحية مستعملة. وكل هذه المواد جُمعت من داخل 8 كيلومترات فقط حول المتحف، أي أن المبنى بُني حرفياً من بقايا مدينته.

كومة ركام من الخرسانة والطوب بعد هدم مبنى
ركام خرساني وطوب مكسّر من مبانٍ مهدومة — هذه «القمامة» هي المادة الخام التي صُنعت منها طوبات متحف غنت. تصوير: Freek Wolsink عبر Pexels

طوبة تتصلّب من دون فرن

الطوب العادي يُحرق في أفران ضخمة تستهلك طاقة هائلة وتطلق كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون. أما طوبة غنت فلا ترى الفرن أبداً: تُضغط هيدروليكياً ثم تُترك لتتصلّب بالجير، والجير يمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء أثناء تصلّبه. النتيجة: بصمة كربونية تعادل ثلث الطوبة التقليدية فقط.

ولم يكن الشكل عشوائياً: صُنعت الطوبة بنفس مقاس طوب مبنى «أوتيل دو كونينك» التاريخي الملاصق للمتحف، ولونها الفاتح المحايد ينسجم مع بيوت شارع «درابسترات»، بينما صُممت النوافذ العميقة والحواف البارزة خصيصاً لحماية هذه المادة الطرية من المطر والطقس.

طوب أحمر مصفوف على خط الإنتاج في مصنع
طوب أحمر مصفوف على خط الإنتاج في مصنع — طوبات غنت تُضغط ولا تُحرق في الفرن، فيتصلّب الجير ويمتص ثاني أكسيد الكربون من الهواء. تصوير: Littlehampton Bricks عبر Pexels

من الهدم إلى الواجهة

أُنتجت الطوبات محلياً في موقع «هيت أرسنال»، وهو ورشة سكك حديدية قديمة في غنت، وبلغ إجمالي الإنتاج أكثر من 82 ألف طوبة. (ذكرت صحيفة الغارديان في تقريرها بتاريخ 20 أكتوبر 2026 رقماً قريباً للواجهة نفسها، بينما يتحدث المتحف عن إجمالي ما أُنتج للمشروع.) وصار الطوب نفسه رمزاً للمشروع لدرجة أن متجر الهدايا يبيع الطوبة الواحدة بعشرة يورو.

ولم تتوقف الاستدامة عند الطوب: هيكل الجناح الجديد خشبي بالكامل من الخشب الرقائقي المتقاطع وخشب الزان، وحتى خشب سلالم المتحف القديمة أُعيد استخدامه في البناء الجديد.

صفوف من الطوب المكدس في ساحة مصنع
آلاف الطوبات مكدّسة في ساحة مصنع — في غنت أُنتج أكثر من 82 ألف طوبة من النفايات محلياً لتكسية المتحف. تصوير: Dibakar Roy عبر Pexels

بيوت من النفايات حول العالم

غنت ليست الوحيدة. في مقاطعة ألميريا الإسبانية، أمضى الزوجان لورا ديفيز وديف بوكانان — وكلاهما في الخامسة والخمسين — سبع سنوات في بناء بيت أحلامهما بالكامل من المخلفات: إطارات سيارات محشوة بالتراب، وزجاجات، وعلب معدنية، وأبواب قديمة، على طراز بيوت «إيرثشيب» التي ابتكرها المعماري مايكل رينولدز. واجهة البيت الزجاجية تدفئه شتاءً من دون وقود، وسطحه الخشبي يجمع مياه الأمطار للغسيل والطبخ وري الحديقة.

وفي مصر، حصد مشروع «ريبلاست بيلد» المركز الثاني في جائزة سيداري للابتكار البيئي 2026، وهو يحوّل النفايات البلاستيكية — بعد جمعها وفرزها — إلى طوب بناء بخلطها مع الرمل: طوب مصمت ومفرّغ وقوالب لتزيين الواجهات، بعزل حراري يصل إلى 33% وبتكلفة أقل من البدائل التقليدية، وبالتعاون مع المركز القومي لبحوث الإسكان والبناء.

قوارير بلاستيكية مهشمة من الأعلى
قوارير بلاستيكية مهشّمة جاهزة لإعادة التدوير — مشروع مصري يحوّل هذا البلاستيك مع الرمل إلى طوب بناء عازل للحرارة بنسبة 33%. تصوير: Polina Tankilevitch عبر Pexels

لماذا يهمّنا؟

لأن قطاع البناء وحده ينتج نحو 40% من النفايات الصلبة في العالم ويتسبب في نحو 30% من انبعاثات الغازات الدفيئة، وفق تقارير الأمم المتحدة. وتشير دراسات الاستدامة إلى أن مواد البناء المعاد تدويرها تخفض البصمة الكربونية بنسبة 20 إلى 30% مقارنة بالمواد التقليدية. فماذا لو صمّمت مدننا العربية مبانيها ومنشآتها من نفاياتها، بدل أن تدفنها في المرادم أو ترميها في الصحراء؟

الخاتمة

القمامة ليست نهاية الأشياء. في غنت صارت واجهة متحف، وفي إسبانيا صارت بيتاً، وفي مصر صارت طوباً يعزل الحرارة. السؤال لم يعد «هل يمكن البناء من النفايات؟» بل «لماذا لا نفعل ذلك أكثر؟».

اقرأ أيضاً

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top