طفل مات قبل نحو ألفي عام، وجسده محفوظ في متحف في مدينة فروتسواف البولندية منذ عام 1914. لم يفتح أحد لفائفه أبداً — ومع ذلك يعرف العلماء كم كان عمره، وكم كان طوله، وكيف حُنّط جسده. وفوق صدره شيء صغير لم يستطيعوا الوصول إليه بعد. فكيف رأوه من دون أن يلمسوا لفافة واحدة؟ الجواب جهاز موجود في كل مستشفى حديث: التصوير المقطعي.
طفل لم يفتحه أحد منذ ألفي عام
المومياء لطفل عاش في مصر في العصر البطلمي، قبل نحو ألفي عام. وصلت إلى متحف أبرشية فروتسواف عام 1914 مع مجموعة خاصة، ثم بقيت عقوداً طويلة من دون دراسة كاملة، حتى ضاعت أوراقها القديمة ولم يبقَ منها إلا القليل. في عام 2023 بدأ فريق من جامعة فروتسواف، بقيادة البروفيسورة أغاتا كوبالا، أول دراسة علمية شاملة لها، ونُشرت النتائج عام 2026 في مجلة «التطبيقات الرقمية في علم الآثار والتراث الثقافي».
من الأسنان عرف الباحثون أن الطفل مات وهو في نحو الثامنة من عمره. طول جسده باللفائف 123 سنتيمتراً. وعرفوا من الصور أن دماغه أُزيل من الأنف، وأن أعضاءه الداخلية أُزيلت، على طريقة التحنيط المعروفة في ذلك الزمن. أما سبب موته فما زال مجهولاً: لا أثر واضح لإصابة أو مرض في الصور.

والمفاجأة الكبرى على صدر الطفل: شيء صغير مخبأ تحت الغلاف. يرجّح الباحثون أنه بردية قد تحمل اسم الطفل، أو تميمة للحماية. المشكلة أن الغلاف الخارجي هشّ ومتضرر، فلا يستطيع العلماء الوصول إلى الشيء من دون أن يكسروه. لذلك ما زال السرّ في مكانه، ينتظر طريقة آمنة ليُقرأ. ويرجّح الباحثون، من رسوم الغلاف، أن الطفل جاء من جنوب مصر العليا، من منطقة أسوان وما حولها.
كيف يرى الجهاز ما بداخل اللفائف؟
التصوير المقطعي يشبه أن تأخذ مئات الصور بالأشعة السينية من زوايا مختلفة حول الجسم، ثم يجمعها الحاسوب في شرائح رفيعة، ثم يركّب الشرائح في صورة ثلاثية الأبعاد. النتيجة أنك ترى الداخل طبقة طبقة، من دون أن تقطع شيئاً — كأنك تقلّب صفحات كتاب مغلق.

هذا هو الفرق الجوهري بينه وبين صورة الأشعة العادية. الصورة العادية ظلّ واحد مسطّح: كل ما في طريق الأشعة يتراكم فوق بعضه، فتخفي الطبقات الكثيفة ما خلفها. أما التصوير المقطعي فيفصل الطبقات بعضها عن بعض: العظم وحده، والأنسجة وحدها، والتمائم وحدها، واللفائف وحدها. لذلك يستطيع العلماء أن يروا كسراً قديماً، أو مرضاً في العظام، أو شيئاً مخبأً بين اللفائف، من دون أن يفكّوا لفافة واحدة.
ولماذا لا يفتحون المومياء ببساطة؟ لأن الفتح تدمير لا عودة منه. الأنسجة الجافة ملتصقة باللفائف منذ آلاف السنين، فإذا نُزعت اللفائف تمزّقت معها تفاصيل لا يمكن استعادتها أبداً. والكثير من المومياوات معروض في المتاحف، فلا يجوز أصلاً تفكيكها. التصوير يحلّ المشكلة: يرى الداخل ويُبقي الخارج سليماً للأجيال القادمة.
عندما تعجز الأشعة: توابيت معدنية مغلقة
لكن التصوير المقطعي ليس سحرياً، وله نقطة ضعف: المعدن. في المتحف البريطاني في لندن توجد ستة توابيت حيوانات صغيرة من سبيكة النحاس، مغلقة منذ نحو 2500 عام، يعود تاريخها إلى ما بين عامي 664 و250 قبل الميلاد. حاول العلماء تصويرها بالأشعة السينية ففشلوا: المعدن حجب الأشعة، والرصاص داخلها شوّه الصور بخطوط بيضاء.
الحل كان جسيماً آخر: النيوترونات. النيوترونات تعبر المعدن بسهولة، لكنها تتوقف عند المواد العضوية التي فيها هيدروجين، مثل العظام والكتان. وفي عام 2023 نشر فريق المتحف البريطاني نتائجه في مجلة «تقارير علمية»: داخل ثلاثة توابيت عظام سحالي، بينها جمجمة سحلية كاملة من نوع يعيش في شمال أفريقيا، وفي ثلاثة أخرى قطع قماش كتاني، إضافة إلى قطع رصاص وآثار من طريقة الصنع والإصلاح. الدرس هنا واضح: لكل أداة نقطة عمى، والعالم يختار الأداة التي تناسب المادة التي أمامه.
صور أدقّ من بودابست: القدم التي ظُنّت رأساً
في بودابست، عاصمة المجر، ذهب فريق جامعة سيملويس خطوة أبعد، بجهاز تصوير مقطعي يعمل بتقنية «عدّ الفوتونات» — أي أنه يعدّ جسيمات الضوء واحداً واحداً، فيعطي صوراً أدقّ من الأجهزة العادية. فحص الفريق مومياوات مصرية من مجموعات متحف سيملويس لتاريخ الطب، يعود أقدمها إلى ما بين عامي 401 و259 قبل الميلاد، أي قبل أكثر من 2300 عام.

الصور الجديدة صحّحت خطأً قديماً: حزمة محنطة ظنّها الباحثون رأساً بشرياً، ثم مومياء طائر محتملة، تبيّن أنها قدم بشرية. وسمحت الصور بفحص الأسنان ودرزات الجمجمة في رأسين محنطين بدقة لم تكن ممكنة من قبل، مما يساعد على تقدير العمر بدقة أكبر، وربما على إعادة بناء الوجه يوماً ما. وفي حالة أخرى أشارت الصور إلى هشاشة عظام محتملة، ما زالت بحاجة إلى تأكيد. وفي يد محنطة يدرس الفريق حجم العظام ونموّها ليعرف هل تعود لطفل أم لبالغ.
تقول الدكتورة إيبوليكا دوداس، رئيسة مجموعة التصوير في المشروع، إن الهدف صورة دقيقة قدر الإمكان للبنية الداخلية: العظام والأنسجة ومواد الدفن، وأي تشوّه أو مرض، وتقنيات الحفظ نفسها.
ما الذي لا يستطيع التصوير قوله؟
الصورة تُظهر أشكالاً وكثافات، لا حقائق جاهزة. وتفسير الشكل قد يخطئ، حتى عند الخبراء. خير مثال قصة وارسو: في عام 2021 أعلن مشروع مومياوات وارسو أن مومياء ظنّها الجميع لكاهن اسمه حور دجهوتي هي في الحقيقة لامرأة، وأن شكلاً في منطقة الحوض جنين في الشهر السابع تقريباً — فصارت «أول مومياء حامل معروفة». لكن إعادة تحليل للصور نُشرت عام 2025 خلصت إلى أن الشكل الأرجح حزمة من مواد التحنيط، لا جنيناً. فصارت القصة درساً: الصورة دليل، لا حكم نهائي.

والتصوير لا يقرأ بردية ملفوفة، ولا يسمّي صاحب الجسد، ولا يثبت سبب الوفاة دائماً — كما في طفل فروتسواف، الذي بقي سبب موته مجهولاً رغم كل الصور. وهو لا يرى الألوان ولا التفاصيل الطرية التي أتلفها الزمن. لهذا يجمع العلماء بين التصوير وطرق أخرى: فحص المواد، والتأريخ بالكربون المشع، وحتى «شمّ» المومياء — أي تحليل الجزيئات المتصاعدة منها لمعرفة مكونات التحنيط من دون أخذ عينة. وفي تقرير حديث عن دراسة على مومياوات متحف بوشكين في موسكو، كشف هذا النوع من التحليل خلطة حافظت على شعر إحدى السيدات ثلاثة آلاف عام: دهن بقري وزيت خروع وشمع عسل وصمغ صنوبر وقطرة من زيت الفستق.
لماذا يهمّنا هذا؟
قبل التصوير الحديث، كانت دراسة المومياء تعني فتحها وإتلافها. وبعد اكتشاف الأشعة السينية في أواخر القرن التاسع عشر، صار العلماء يصوّرون المومياوات بها، لكن الصور كانت مسطّحة ضبابية. ثم جاء التصوير المقطعي في سبعينيات القرن العشرين فحوّل الظلّ المسطّح إلى طبقات ثلاثية الأبعاد يمكن قراءتها طبقة طبقة.
واليوم، من دون أن يلمس أحد لفافة واحدة، نعرف أن طفلاً عاش قبل ألفي عام مات في الثامنة، وحُنّط بمهارة، وحُمل معه شيء صغير على صدره ما زال ينتظر من يقرأه. المومياء لم تُفتح، ومع ذلك صارت تحكي. وهذا هو جوهر القصة: العلم هنا لا يكسر الماضي ليفهمه، بل ينظر من خلاله.
اقرأ أيضاً: كيف حدد العلماء عمر الأهرامات؟ قصة الملاط والكربون المشع — التصوير يكشف ما بداخل المومياء، والكربون المشع يكشف عمرها؛ الطريقتان تكملان بعضهما.
اقرأ أيضاً: تحديد عمر القطع الأثرية
المصادر:
- جامعة فروتسواف — دراسة مومياء الطفل
- بوبيولار ساينس — مومياء الطفل والشيء المخبأ على صدرها
- اليوم السابع — أسرار المومياوات والتصوير المقطعي في جامعة سيملويس
- البيان — ما الذي كشفته الأشعة داخل أجساد الفراعنة المحنطة؟
- تقارير علمية — التصوير النيوتروني لتوابيت الحيوانات في المتحف البريطاني
- إعادة تحليل مومياء وارسو 2025



