A breathtaking display of a humpback whale breaching off the coast of Monterey Bay.

الحوت الأحدب يلعب مع سمكة الشمس: لماذا اقترب العملاق من أغرب سمكة في البحر؟

صوّر عالم مواطن بطائرة مسيّرة حوتاً أحدب يقترب من سمكة شمس ويلوح بذيله نحوها مراراً لأكثر من ساعة قبالة أستراليا. هل كان يلعب فعلاً؟ وماذا نعرف عن العملاق وعن أغرب سمكة في البحر؟

من طائرة مسيّرة صغيرة فوق البحر، شاهد رجل مشهداً لم يره من قبل: حوت أحدب ضخم يقترب من سمكة شمس، فيلوّح بذيله نحوها، ثم يعود ويلوّح بالاتجاه الآخر، ويستمر في ذلك لأكثر من ساعة. هل كان الحوت يلعب مع السمكة فعلاً؟ الخبراء يقولون إن المشهد يبدو لعباً، لكنهم لا يجزمون بالدافع. وهذا المقال يحكي ما حدث بالضبط، ومن هما الحيوانان، ولماذا لا يملك العلم جواباً محسوماً حتى الآن.

ماذا حدث قبالة تاترا؟

وقع المشهد قبالة بلدة تاترا في جنوب ولاية نيو ساوث ويلز بأستراليا. صوّره تيري ديكسون، وهو مصوّر مواطن يطير بطائرته المسيّرة فوق تلك المياه منذ 12 عاماً. يقول ديكسون إنه لم يرَ شيئاً كهذا من قبل: حوت يقترب من سمكة الشمس، يحرّك ذيله نحوها، ثم يعود ويحرّكه بالاتجاه المعاكس، ويواصل ذلك لأكثر من ساعة.

وتاترا ليست مكاناً عادياً للحيتان. فقد أصبحت معروفة بأنها بقعة تتغذى فيها الحيتان، بعدما لاحظ العلماء لقطات ديكسون على مرّ السنين. ومن مايو 2025 إلى مايو 2026، رصد ديكسون الحيتان الحدباء قبالة تاترا في كل شهر من شهور السنة، لأول مرة. وهو يعتقد أن بعضها قد يسبح صعوداً ونزولاً على طول الساحل من دون أن يهاجر كاملاً إلى القارة القطبية الجنوبية.

منظر جوي لسطح بحر أزرق
سطح البحر من الأعلى — بهذه الطريقة، من طائرة مسيّرة، رصد تيري ديكسون الحوت وسمكة الشمس قبالة تاترا. تصوير: ROMAN ODINTSOV عبر Pexels

والحدث ليس بعيداً عن اهتمام القراء العرب: ففي أكتوبر 2026 ظهر حوت أحدب قبالة الغردقة في البحر الأحمر، لأول مرة منذ عشر سنوات، بحسب تقارير صحفية مصرية. والحيتان الحدباء، على ندرتها في البحر الأحمر، تدخل إليه من الجنوب أحياناً خلال هجراتها.

من هو الحوت الأحدب؟

الحوت الأحدب حوت باليني، أي أنه بلا أسنان، بل يملك صفائح بالينية في فمه يصفّي بها طعامه من الماء. اسمه العلمي «ميغابتيرا نوفاي أنغلياي»، وسُمّي الأحدب لأن ظهره يتقوّس كالسنام حين يغوص. يتراوح طوله بين 12 و16 متراً، وقد يصل وزنه إلى نحو 36 أو 40 طناً، أي ما يعادل وزن نحو ستة أفيال كبيرة.

أشهر ما يميّزه زعنفتاه الصدريتان الطويلتان جداً، إذ قد تصل الواحدة منهما إلى نحو خمسة أمتار، أي قرابة ثلث طول جسمه. وهو معروف بقفزاته خارج الماء، وضربه سطح الماء بذيله، وأغانيه الطويلة ذات الأنماط المتكررة التي يغنّيها الذكور. ويهاجر آلاف الكيلومترات كل عام بين مياه التغذية الباردة ومياه التكاثر الدافئة، ويعيش في تلك الفترة أساساً على الدهون التي خزّنها، إذ يتوقف عن الأكل تقريباً خلال الهجرة والتكاثر.

ذيل حوت أحدب فوق سطح الماء
ذيل حوت أحدب يرتفع فوق الماء — في لقطات تاترا كان الحوت يلوّح بذيله نحو سمكة الشمس مراراً، لا ليضرب الماء فقط. تصوير: Silvana Palacios عبر Pexels

ومن هي سمكة الشمس؟

سمكة الشمس المحيطية، واسمها العلمي «مولا مولا»، من أغرب أسماك البحر شكلاً. جسمها دائري ومسطّح من الجانبين، كأنها سمكة قُطع ذيلها. فهي في الحقيقة بلا ذيل حقيقي، بل لها بنية مستديرة تشبه الدفّة تسمى «كلافوس». ولها زعنفة ظهرية طويلة في الأعلى وزعنفة أخرى مثلها في الأسفل، تستعملهما للسباحة، وفم صغير لا يناسب حجمها.

وهي من أثقل الأسماك العظمية في العالم، إذ قد يزيد وزن البالغة منها على الطن. تتغذى أساساً على قناديل البحر والكائنات الهلامية الرخوة، وكثيراً ما تُرى مستلقية على جانبها قرب السطح، كأنها تتشمّس، ومن هنا جاء اسمها. وهي مسالمة ولا تشكّل خطراً على الإنسان. ولهذا وصفتها خبيرة الحيتان فانيسا بيروتا بأنها «أغرب حيوان في البحر».

سمكة شمس محيطية تسبح تحت الماء
سمكة شمس محيطية تسبح في مياه الدنمارك — جسمها الدائري المسطّح وزعنفتها الظهرية الطويلة هما ما يجعلها تبدو أغرب سمكة في البحر. سمكة تاترا كانت من النوع نفسه، لكن هذه الصورة ليست لها. تصوير: Joerg Mangelsen عبر Pexels

هل كان يلعب فعلاً؟

الجواب الصادق: لا نعرف على وجه اليقين. فالدكتورة فانيسا بيروتا من جامعة ماكواري في أستراليا وصفت السلوك بأنه «مرح إلى حد كبير»، وقالت إن الحيتان فضولية، وإن توثيق حوت أحدب يتفاعل مع أغرب حيوان في البحر فرصة لنتعلم كيف تفسّر الحيتان الحدباء ما حولها. لكن «يبدو لعباً» ليس دليلاً على الدافع. فقد يكون فضولاً، أو استكشافاً لجسم غريب، أو سلوكاً اجتماعياً لا نفهمه بعد.

وما نعرفه أن الحيتان الحدباء معروفة بسلوك سطحي نشط: تقفز، وتضرب الماء بزعانفها وذيولها، وتلعب الصغار منها كثيراً وهي تتعلّم. لكن تفاعلاً متعمّداً مع سمكة شمس لأكثر من ساعة، مع العودة إليها مراراً، أمر غير مألوف حتى لمراقب مخضرم مثل ديكسون. وهناك سياق آخر لا يجب إغفاله: تاترا بقعة تغذية، وكريس جونسون، المسؤول العالمي عن الحيتان والدلافين في الصندوق العالمي للطبيعة، يرى في لقطات ديكسون توثيقاً لسلوك تغذية في المياه الأسترالية، لأن الحيتان الحدباء تتغذى أساساً في المحيط الجنوبي والقارة القطبية الجنوبية، لكنها «تتذوق الطعام في الطريق». فهل كان الحوت يستكشف شيئاً في بقعة طعامه؟ لا أحد يستطيع الجزم.

وهنا تكمن قيمة المشهد: فهو يذكّرنا بأن سلوك الحيتان ما زال مجهولاً في معظمه، وأن لقطة واحدة من مواطن يحمل طائرة مسيّرة قد تضيف قطعة جديدة إلى أحجية يعمل عليها العلماء منذ عقود.

الجانب المظلم من المشاهدات نفسها

لقطات ديكسون نفسها تحمل خبراً حزيناً. فهو يسجّل، على نحو متزايد، حيتاناً مصابة بسبب الإنسان: حوت أحدب حبالٌ تثبّت زعانفه الصدرية إلى جسمه، وحوتاً شهيراً يُعرف باسم «بلايدرنر» لكثرة إصابات المراوح على طول جسمه. ويقول الصندوق العالمي للطبيعة إن ضربات السفن مشكلة متنامية، وإن الحيتان تعلق في الشباك ومعدات الصيد، وإن أكثر من 300 ألف حوت ودلفين تُقتل كل عام كصيد عرضي في مصايد الأسماك.

ولهذا يدعو الصندوق إلى إعلان 30% من محيطات أستراليا محميات خالية من الصيد والتعدين، وحماية طرق هجرة الحيتان، أو «الممرات الزرقاء»، عبر مناطق إبطاء للسفن وإبعاد خطوط الملاحة عن المواطن الأساسية. كما أن مشاهدات الحيتان على مدار السنة في المياه الأسترالية، ومثلها لدى شركاء المحيط الهادئ مثل نيوزيلندا، أمر تراقبه بيروتا باهتمام، وتتساءل: هل يتغير محيطنا بطرق لم ندركها بعد؟ الجواب ما زال معلّقاً، وهي تسمّيه «لحظة ترقّب».

الخلاصة

حوت عملاق يزن عشرات الأطنان، يقضي أكثر من ساعة يلوّح بذيله نحو سمكة مسطّحة غريبة الشكل، ثم يعود إليها مراراً. لا نعرف لماذا فعل ذلك، وهذا الجهل نفسه هو القصة: فالحيتان، رغم ضخامتها وشهرتها، ما زالت تحتفظ بأسرارها، وكل مشاهدة موثّقة جيّداً قد تغيّر ما نعرفه عنها. وربما كان يلعب. وربما كان يستكشف. وفي الحالتين، كان المشهد يستحق أن يُروى.

اقرأ أيضاً

المصادر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


Scroll to Top