تخيّل مدينة كاملة بلا شوارع للسيارات، بيوتها تطلّ مباشرة على الماء، وتنتقل فيها بالقارب بدل الحافلة. هذه هي البندقية في شمال شرق إيطاليا: مدينة بنيت على 118 جزيرة صغيرة في بحيرة ساحلية ضحلة، وتربط بين جزرها أكثر من 150 قناة وأكثر من 400 جسر. وهي لا تطفو على الماء كما يظن كثيرون، بل تقف على ملايين الأوتاد الخشبية المغروسة في الطين. فلماذا بنى الناس مدينة في مثل هذا المكان الصعب؟ وكيف صمدت بيوتها مئات السنين؟ ولماذا تغرق ببطء اليوم؟
لماذا اختار الناس الماء؟
بدأت القصة في القرن الخامس الميلادي، عندما فرّ سكان من مدن البرّ الإيطالي من الغزوات والحروب، ولجأوا إلى جزر بحيرة البندقية. كانت البحيرة مكاناً صعباً للعيش، لكنها كانت آمنة: فالمياه الضحلة والممرات المتعرجة جعلت وصول الجيوش إليها صعباً، بينما يستطيع أهلها التنقل بالقوارب الصغيرة التي يعرفون طرقها.
ومع الوقت تحوّل الملجأ إلى مدينة تجارية قوية. فموقع البندقية بين البرّ الأوروبي والبحر الأدرياتيكي جعلها محطة للسفن والبضائع، وازدهرت تجارتها قروناً طويلة. وبقيت القنوات شوارعها: فالقارب فيها يقوم بدور السيارة، والجسر يقوم بدور تقاطع الطرق. وحتى اليوم، لا تدخل السيارات إلى قلب المدينة التاريخي، بل تتوقف عند أطرافها، ويكمل الناس طريقهم مشياً أو بالقارب.
كيف بنيت مدينة فوق الطين؟
أرض البحيرة طين ورمل، لا تتحمل وزن البيوت الحجرية. فكان الحلّ غريباً وبسيطاً في الوقت نفسه: غرس البناؤون أوتاداً خشبية طويلة، من خشب الألدر والبلوط والصنوبر، في قاع البحيرة، حتى وصلت إلى طبقة طينية صلبة تسمى «كارانْتو». ثم وضعوا فوق الأوتاد طبقة من الألواح الخشبية، وفوقها ألواح من حجر إستريا الأبيض القوي، فصارت أرضية ثابتة يبنى عليها البيت.
ويُقدَّر عدد الأوتاد في البندقية بالملايين. فالمباني الكبيرة وحدها تقف على عشرات الآلاف منها، وبعضها على أكثر من مليون وتد، بحسب التقديرات المتداولة. وبهذه الطريقة، صارت المدينة مثل غابة مقلوبة: جذوع الأشجار تحت الماء، والبيوت فوقها.

لماذا لا تتعفن الأخشاب تحت الماء؟
الخشب يتعفن عادة عندما يتعرض للهواء والرطوبة معاً، لأن الكائنات الدقيقة التي تأكله تحتاج إلى الأكسجين. لكن أوتاد البندقية مغمورة كلياً في الماء والطين، حيث يكاد الأكسجين ينعدم، فلا تجد تلك الكائنات ما يساعدها على العمل. ومع مرور القرون، تتشبع الأخشاب بالمعادن من الماء، فتزداد صلابة بدل أن تضعف.
وهذا يفسّر أيضاً نقطة ضعف المدينة: فإذا انخفض مستوى الماء أو جفّ الطين حول الأوتاد وتعرضت للهواء، بدأ التعفن. لذلك تعتمد سلامة البندقية على بقاء أساساتها مغمورة، وعلى صيانة مستمرة لا تتوقف.
القنوات والجسور: شوارع من ماء
أشهر قنوات البندقية هي القناة الكبرى، التي تشقّ المدينة على شكل حرف S، ويبلغ طولها نحو أربعة كيلومترات. وعلى جانبيها تقف قصور وبيوت قديمة تطلّ مباشرة على الماء، وتمرّ تحت جسورها القوارب والجندولات، وهي القوارب السوداء الطويلة التي يقودها رجل بمجداف واحد.
والجندول اليوم وسيلة سياحية أكثر منه وسيلة نقل يومية، لكن القوارب ما زالت جزءاً من حياة المدينة: قوارب النقل العام، وقوارب نقل البضائع، وقوارب الإسعاف والإطفاء، كلها تسير في القنوات نفسها.

جسر ريالتو: أقدم جسر على القناة الكبرى
من أشهر معالم البندقية جسر ريالتو، وهو أقدم الجسور الأربعة التي تعبر القناة الكبرى. بُني الجسر الحجري الحالي في أواخر القرن السادس عشر، على تصميم المهندس أنطونيو دا بونتي، بقوس واحد من الحجر يعلو الماء. وكان كثيرون وقتها يشكّون في أن قوساً واحداً بهذا الاتساع سيصمد، لكنه ما زال قائماً بعد أكثر من أربعة قرون.
ويُقدَّر أن نحو 12 ألف وتد خشبي غُرس تحت ضفتي الجسر ليحمل وزن الحجر. وعلى الجسر نفسه محلات صغيرة، كما كان الحال منذ بنائه، فيمشي الزائر بين المتاجر وهو يعبر القناة، لا فوق جسر فارغ.

لماذا تغرق البندقية ببطء؟
البندقية لا تغرق فجأة، بل تهبط ببطء، ويرتفع البحر من حولها في الوقت نفسه. فالتربة الطرية تنضغط تحت وزن المباني عبر القرون، وفي القرن العشرين زاد الهبوط عندما ضُخّت المياه الجوفية لخدمة الصناعة في البرّ القريب، قبل أن يتوقف الضخ في السبعينيات. والنتيجة أن المدينة صارت أخفض بنحو 23 سنتيمتراً مقارنة بمستوى البحر خلال القرن الماضي.
وعندما يرتفع المدّ، يحدث ما يسمى «أكوا ألتا»، أي الماء العالي، فيفيض على الأرصفة والساحات المنخفضة. وفي نوفمبر 1966 وصلت المياه إلى 194 سنتيمتراً فوق مستواها الطبيعي، وهو أعلى مدّ مسجّل في تاريخ المدينة الحديث. وفي نوفمبر 2019 غمرت المياه نحو 80% من المدينة، وتضررت بيوت ومتاجر كثيرة.
حواجز موسي: جدار يرتفع من قاع البحر
للدفاع عن المدينة، بنت إيطاليا مشروعاً ضخماً اسمه «موسي»، وهو نظام من 78 بوابة متحركة في قاع البحر، عند مداخل البحيرة الثلاثة: الليدو ومالاموكو وكيودجا. تبقى البوابات مستلقية تحت الماء في الأيام العادية، فيمرّ فوقها الماء والسفن، وعندما يُتوقع مدّ عالٍ، يُضخّ الهواء المضغوط فيها فترتفع وتغلق البحيرة مؤقتاً أمام البحر.
بدأ بناء المشروع عام 2003، واستُخدم لأول مرة أمام مدّ حقيقي في 3 أكتوبر 2020، فحمى الأجزاء المنخفضة من الغرق في ذلك اليوم. لكن موسي ليس حلاً نهائياً: فمع ارتفاع مستوى البحر، سيحتاج إلى الإغلاق مرات أكثر ولفترات أطول، وهذا يكلّف كثيراً ويؤثر في حركة السفن وبيئة البحيرة. لذلك ما زال الخبراء يبحثون عن حلول أطول مدى، بينما تبقى البندقية مدينة معلّقة بين الماء والتاريخ.

الخلاصة
البندقية ليست مدينة عائمة، بل مدينة مبنية بعناد على طين لا يحتمل البناء. لجأ إليها الناس هرباً من الحرب، فصارت قوة تجارية، وحملتها أوتاد خشبية مغمورة لا تتعفن لأن الهواء لا يصل إليها. واليوم، يواجه هذا الإنجاز القديم تحدياً جديداً: أرض تهبط وبحر يرتفع، وحواجز عملاقة تحاول كسب الوقت. وربما هذا هو سرّ سحرها الحقيقي: مدينة كاملة تعيش فوق الماء منذ أكثر من ألف عام، وما زالت تصمد.
اقرأ أيضاً
- سور الصين العظيم: كم طوله حقاً، ولماذا بُني؟
- سلم في بومبي يقود إلى السماء: المدينة العمودية التي دفنها البركان
المصادر
- MOSE Project — البوابات المتحركة، مداخل البحيرة الثلاثة، أول استخدام في أكتوبر 2020
- Tomorrow.City: كيف تحاول البندقية إنقاذ نفسها — الهبوط وارتفاع البحر ومشروع موسي
- Tour Leader Venice: كيف تدير البندقية الفيضانات — هبوط نحو 23 سنتيمتراً خلال القرن الماضي وبوابات موسي
- PHCP Pros: البندقية، المدينة المحاطة بالماء أحياناً — فيضان نوفمبر 2019 وأوتاد الأساسات
- خربشة: كيف بنيت مدينة البندقية العائمة — الجزر والأوتاد الخشبية
- UNESCO Hunt: البندقية وبحيرتها — موقع تراث عالمي منذ 1987، 118 جزيرة



